مقالات مدى

شركة كهرباء فلسطين.. الهروب إلى الهاوية

بقلم: د. حسن أبولبده:

مدى الأخبار: قبل فترة وجيزة قررت حكومتنا الرشيدة إصدار قرار بقانون يخولها بإنشاء شركة مساهمة عامة تسمى “شركة كهرباء فلسطين”، تملك الحق الحصري كمالك ومشغل وحيد لمنظومة نقل وتوزيع الكهرباء في “دولة فلسطين”. وتدعي الحكومة بأن إنشاء هكذا شركة سيؤدي إلى حلّ مشكلة “صافي الإقراض” في قطاع الكهرباء، الناتج عن تقاعس وتخلف الهيئات المحلية عن سداد أثمان الكهرباء المستهلكة لشركة الكهرباء القطرية الإسرائيلية، إضافة إلى توفير وتزويد وإيصال الطاقة الكهربائية لجميع المستهلكين “بكميات كافية وبأسعار معقولة”.

في ظاهرها، تبدو هذه الخطوة تطويراً في قطاع الطاقة يؤدي إلى حل مشكلة مديونيات الهيئات المحلية المتعلقة بالكهرباء، ويوفر الكهرباء “بأسعار معقولة”، ويعزز من قدرة السلطة على إدارة العلاقة التجارية في مجال الطاقة مع شركة الكهرباء القطرية، وقد تكون هناك منافع أخرى نجهلها.  علما بأنه ووفقا للائحة الداخلية لمجلس الوزراء واستنادا للأسس والقواعد المهنية المتعلقة بسن التشريعات، فمن المفروض أن يرفق مشروع القانون بمذكرة تفسيرية تسوق كل المبررات والحجج القانونية والاقتصادية والمجتمعية لإصدار القانون، إضافة للأثر المالي على موازنة السلطة.  لقد بحثت وسألت كل من أعرفهم حول مدى توفر المذكرة التفسيرية، ولكنني لم أتمكن من الحصول على أي تأكيد بشأن ذلك.  ولذلك، فإن رأيي وحكمي على وجاهة وحكمة وجدوى مثل هذه الخطوة مبني على مشاهدات ونقاشات مع العديد من ذوي العلاقة، والاطلاع على مسودة القانون وبعض المراسلات المتعلقة بالموضوع.

بداية، أجزم بأن مشروع القانون لا يستوفي متطلبات إصداره لانتفاء حالة الضرورة القصوى للإصدار (وفقا للمادة 43 من القانون الأساسي). وأجزم بأن صدوره سيخلق بلبلة بين مزودي الكهرباء وهم شركات التوزيع والبلديات والمجالس المحلية، ويؤدي إلى احتقان في العلاقة بين السلطة وبينهم لكون مشروع القانون ينص صراحة على “تأميم” شركات وهيئات توزيع الكهرباء لمصلحة الشركة الوليدة، والتعويض المادي بالسعر الذي تقرره الحكومة، مما يمثل اعتداءً سافرا على مواردهم ومصدر دخلهم الأساسي، وقد يقود إلى عصيان مدني واسع النطاق بسبب نية الحكومة وضع اليد على شبكات الكهرباء التي يملكونها والموجودات المختلفة، ويجرد المساهمين على اختلافهم من حقهم برفض الاندماج مع الشركة العتيدة، كما ينص مشروع القرار. 

خلال الأسابيع الماضية، حاولت الوقوف على أي معلومات مفيدة حول وجود أي دراسة جدوى فنية و/أو اقتصادية أو قانونية تمت حول الموضوع، والحصول على أي مادة تشرح الجوانب الفقهية ومبررات إصدار القانون وطبيعة حالة الضرورة التي توجب إصداره، ولم أجد.  وبناء على اتصالات هاتفية مع العديد من موزعي الكهرباء من شركات وبلديات ومجالس قروية، يبدو أن هناك إجماعا على رفض مشروع القانون.  وبالتالي قد يؤدي توجه السلطة إلى احتكار نقل وتوزيع الكهرباء (وربما توليدها) إلى المزيد من الغليان في الشارع الفلسطيني وإرباك لدى هيئات الحكم المحلي الموزعة للكهرباء، ناهيك عن تهديد استراتيجي لامتياز شركة كهرباء محافظة القدس، الذي حصلت عليه منذ عام 1914، وتملك بموجبه حقوق توزيع الكهرباء في مدن القدس وجميع المنطقة الشرقية منها مما يسميه الاحتلال بـ “القدس الكبرى”.

تنطوي نصوص مشروع القرار بقانون على مخالفات عديدة لقانون إنشاء سلطة الطاقة للعام 1995 وقانون الكهرباء للعام 2009، وحتى قانون الشركات لعام 2021. وسيؤدي قيامها إلى نشوء تضارب مصالح خطير وتنازع صلاحيات قد يؤدي إلى انفلاش المنظومة القائمة لتوليد الكهرباء ونقلها وتوزيعها، ما بين سلطة الطاقة ومجلس تنظيم قطاع الكهرباء، وشركة النقل الوطنية للكهرباء، وشركات التوزيع الأساسية.

لقد نظمت التشريعات السارية قطاع الطاقة على أساس الفصل ما بين توليد الكهرباء ونقلها وتوزيعها، بحيث يقوم القطاع الخاص بالتوليد والتوزيع، بينما يقوم القطاع العام بالنقل والرقابة وإدارة الجانب التجاري في مشتريات الطاقة من إسرائيل أو المستثمرين.  وباستثناء فشل السلطة في إقناع البلديات والمجالس القروية للانضمام إلى شركات التوزيع التي تم ترخيصها خلال العقدين الماضيين، فإن البنية التشريعية والفنية والإدارية القائمة حاليا أكثر من كافية لإدارة قطاع الطاقة في فلسطين وضمان ديمومة التوزيع وحصول المواطنين على الكهرباء بأسعار معقولة.  ولذلك فإن فكرة إنشاء شركة احتكارية لتوليد ونقل وتوزيع الكهرباء لا يمكن أن تكون بريئة، ونرى أنها تأتي في سياق محاولة السلطة السيطرة على السلع والموارد الاستراتيجية واحتكارها، كما حصل في محاولة تأميم قطاع المحاجر قبل عدة أشهر، وتوليد دخل إضافي من عائدات نقل وتوزيع الكهرباء.

هناك مخاطر عديدة وتبعات سياسية واقتصادية واجتماعية، سيأتي ذكرها، لتشريع إنشاء “شركة كهرباء فلسطين” وتأميم قطاع الطاقة عمليا، في ظل توجه العالم إلى الخصخصة وتشجيع القطاع الخاص للقيام بالنشاط الاقتصادي والاستثماري تحت مظلة رقابة حكومية صارمة. وقد دأبت هذه الحكومة تحديداً على محاولة تجيير بعض الأنشطة الاقتصادية والاستحواذ عليها لمصلحتها، وتهميش دور القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية، ويتم ذلك على الرغم من معرفة الحكومة مسبقا، من واقع التجارب الدولية، بأن هذه الجهود محكومة بالفشل، وأجزم أن العديد من المؤسسات الدولية الناشطة في فلسطين قد نوهت في السر والعلن إلى خطورة مثل هذه التوجهات، التي تتعارض مع التزامات م.ت.ف. والسلطة الفلسطينية بالديمقراطية والتعددية والاقتصاد الحر. ناهيك أن هذه الخطوة تتناقض بشكل سافر مع نصوص القانون الأساسي المعدل لعام 2003 حول هوية الاقتصاد الفلسطيني، والأسس التي يقوم عليها النظام السياسي كما فصلتها وثيقة إعلان الاستقلال لعام 1988.

وعلى الرغم مما يمثله هذا التشريع من تهديد لمصالح جميع موزعي الكهرباء والمساهمين في شركات وهيئات توزيع الكهرباء، فإنه من المستغرب عدم قيامهم بالتعبير العلني حتى الآن عن احتجاجهم ورفضهم لمثل هذه الخطوة، التي قد تؤدي إلى إفلاس بعض الهيئات المحلية وعدم قدرتها على دفع رواتب ومخصصات موظفيها، نظرا لأن جزءًا أساسيا من دخل هذه الهيئات، وخاصة الصغيرة منها، يتأتى من بيع الكهرباء للمستهلكين. وأستثني من ذلك شركة كهرباء محافظة القدس، التي تصدت بكل مهنية وحزم لهذه الخطوة وأوضحت بالتفصيل جملة المخاطر التي تعرضت لها الشركة جراء هذه الخطوة.  وتهمنا هنا معرفة أين يقف وزير الحكم المحلي في هذا المجال.

أما القطاع الخاص، فهو على ما يبدو “نائم في العسل”، حيث لم تتم استشارته ولا إشراكه في التعقيب على مسودة القانون، ولا نلاحظ أي حراك أو مشاورات أو احتجاجات أو نقاش لمشروع الحكومة، وكأن هذا التشريع يتم لدولة أخرى وأنه لن يمسه، بعكس ما حصل حين حاولت الحكومة تأميم قطاع الحجر.  وهنا، أرى أنه من حق الشركات والأفراد أعضاء عشرات مؤسسات القطاع الخاص التمثيلية، خاصة اتحاد صناعات الطاقة المتجددة واتحاد الصناعات الفلسطينية واتحاد الغرف التجارية، أن يسألوا عن سبب هذا الصمت وموقف الحياد الذي تتخذه هذه المؤسسات.  وأخص بالذكر اتحاد صناعات الطاقة المتجددة ممثل القطاع الأكثر تضرراً، الذي لم يحرك ساكنا منذ إعلان نية الحكومة إصدار هذا التشريع. 

إن السير في تشريع إنشاء “شركة كهرباء فلسطين” وتأميم قطاع الطاقة يأتي التفافا على وظائف وصلاحيات وأدوار مؤسسات الطاقة في القطاع العام والخاص وتجاوزا لها، وينذر بمرحلة جديدة تشرعن الحكومة لنفسها فيها الارتداد عن مبادئ الاقتصاد الرأسمالي بتأميم الممتلكات ووضع اليد على الاستثمارات الوطنية والإمعان في تضييق الخناق على القطاع الخاص، بحيث لا يكون هناك مجال أمام المستثمرين إلا التسليم بتخصيص حصة من استثماراتهم للحكومة كممر إلزامي لحماية استثماراتهم.  وسينتج عن هذه التوجهات والسلوك مخاطر تؤدي في نهاية المطاف إلى عواقب كبيرة على الجميع.

إن هذه المحاولة تستدعي الرفض الصريح ووقفة جادة من القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، وحتى حركة فتح “أم الصبي” التي دفعت في الماضي وتدفع حاليا فاتورة ترهل وسوء الأداء الحكومي.  لا يتوقف الضرر والإجحاف على مصير هيئات وشركات توزيع الكهرباء، وإنما على هوية قطاع الطاقة في فلسطين.  وفي ضوء مراجعة قانونية وسياسية وفنية واقتصادية معمقة للمشروع والمعلومات المتوفرة حوله، فإنني أعدد في الجزء الثاني من المقال جملة المحاذير والمخاطر التي ستنتج عن السير قدما في هذا التشريع وغيره من على شاكلته.

يتبع غدا في الجزء الثاني

زر الذهاب إلى الأعلى