صحة و جمالمنوعات

الزراعات التصديرية في الأغوار تضرب فرص السيادة على الغذاء

حمزة زبيداتخاص بآفاق البيئة والتنمية

مدى الأخبار: تعد الزراعة بأشكالها المتنوعة في منطقة الأغوار الفلسطينية بمثابة العمود الفقري للبقاء والصمود لآلاف المواطنين الفلسطينيين. إذ يعتمد غالبية سكان تلك المنطقة على الزراعات التراثية والتقليدية التي تميزت بها الأغوار تاريخيا، نظرا لخصوبة تربتها وظروفها المناخية المناسبة ووفرة المياه.

الا أن الاستيطان الإسرائيلي في أراضي الأغوار فرض واقعاً اقتصادياً وسياسياً جديداً على سكان المنطقة والاقتصاد الوطني عموماً. إذ ازدادت هجمات المستوطنين المنظمة على الأراضي الزراعية الفلسطينية في كافة مناطق الأغوار، وبخاصة المناطق المصنفة “ج”. وهذه الأراضي تحديدا هي الأكبر في مساحتها وتعتبر الخزان الزراعي الاستراتيجي للأراضي البعلية.

العدوان الأخير على قطاع غزة وانعكاساته على الضفة الغربية فرض الحاجة الى إعادة النقاش حول الاقتصاد الفلسطيني الداخلي، وخاصة على ضوء المشاهد المروعة من التدمير المنهجي للأراضي الزراعية والموارد الطبيعية وسياسة التجويع التي يمارسها الاحتلال على سكان قطاع غزة.

نحاول في هذا التقرير إجراء رصد أولي للتغير الحاصل في النمط الزراعي الفلسطيني بمنطقة الأغوار والذي يتمثل في تحول قطاع من الزراعات التقليدية والأصلية التي تلبي احتياجات السوق المحلي، الى زراعات تصديرية يديرها مجموعة من رجال الأعمال.

خلال السنوات الخمس الأخيرة رصدنا توجهاً غير مسبوق من قبل العديد من مزارعي الأغوار الفلسطينيين نحو زراعات جديدة لم تألفها منطقة الأغوار، ولم تكن جزءاً من سلتها الغذائية التقليدية. إذ انتشرت زراعة الأعشاب الطبية بشكل ملحوظ في قرى كانت تتميز بإنتاج أصناف الخضروات المتنوعة، مثل قرى العوجا، الزبيدات، مرج نعجة، بردلة وعين البيضاء.

اللافت أن زراعة الأعشاب الطبية وأصناف أخرى جديدة مثل الأفوكادو والأناناس، أُدخِلت الى منطقة الأغوار من قبل المستوطنين قبل أكثر من خمسة عشر عاماً، ثم انتشرت لتصبح إحدى الزراعات الأساسية في المستوطنات الإسرائيلية، الى جانب زراعة النخيل. ثم سرعان ما انتقلت زراعة الأعشاب الطبية الى المزارعين الفلسطينيين الذين وجدوها بديلاً لزراعة النخيل التي أصبحت غير مجدية.

يقول المزارع جادالله زبيدات، أحد مزارعي الأعشاب الطبية من قرية الزبيدات: “توجهنا الى زراعة الأعشاب الطبية وتحديدا الريحان، لأنها زراعة جديدة غير منتشرة كثيراً في الوسط الفلسطيني. كذلك لأن زراعة النخيل لم تعد مجدية ومضيعة للوقت والجهد. كما أن هنالك تاجر فلسطيني يشتري كل الكمية التي ننتجها ويصدرها باسم منتج فلسطيني الى العديد من دول العالم.”

صحيح أن المزارع في نهاية الأمر يبحث عن الربح، لكن هذا الربح السريع، في لحظات تاريخية حساسة كالتي يمر بها شعبنا، قد يعتبر ضرباً لصميم مفاهيم الصمود والسيادة الغذائية التي يجب أن تتمتع بها الشعوب كحق وطني أصيل.

التقينا الدكتور مؤيد بشارات مسؤول وحدة الضغط والمناصرة في لجان العمل الزراعي، وهو من متابعي شؤون المزارعين في منطقة الأغوار.

يقول بشارات: “السيادة على الغذاء تُعرف بأنها حق الشعوب في الحصول على غذاء صحي يتم إنتاجه من خلال طرق مستدامة وبيئية، وحقها في تحديد سياساتها الغذائية والزراعية الخاصة بها دون الخضوع لإملاءات منظمات أو شركات خارجية. تهدف السيادة على الغذاء إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، بالإضافة إلى تعزيز العدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية.”

وأضاف: “توجه العديد من المزارعين الى زراعات تصديرية مثل الأعشاب الطبية سببه غياب الاستراتيجيات الزراعية والتنموية من قبل المؤسسات الرسمية والأهلية ذات الاختصاص، إضافة الى غياب الرقابة من قبل وزارة الزراعة الفلسطينية. لذا، لا يمكن الحديث عن سيادة على الغذاء في ظل الاحتلال وغياب جهات الرقابة والمتابعة.”

خطورة التوجه نحو الزراعات التصديرية تكمن في أن صغار المزارعين الذين لا حماية لهم، هم من يتوجهون نحو مثل هذه الزراعات، وفي الغالب يزرعون الأرض كما يطلب منهم المقاول أو رجل الأعمال المسؤول عن التصدير للخارج.

هذا النمط الزراعي هو ذاته الذي اعتُمِد في زراعة التمور منذ البداية؛ حيث تحول صغار المزارعين الى عمال عند الشركات التصديرية الكبرى التي تصدر معظم التمور الفلسطينية، بينما تمتلئ الأسواق الفلسطينية بتمور المستوطنات.

كذلك ينطبق الأمر على زراعة الريحان والأعشاب الطبية الأخرى التي لا حاجة لها في السوق الفلسطيني، وإنما تُصَدَّر الى العديد من دول العالم مثل الولايات المتحدة الأميركية وكندا وعدد من الدول الأوروبية.

المستفيدون الوحيدون من هذه الزراعات هم رجال الأعمال الذين يوجهون الزراعة والاقتصاد الفلسطينيين الى ما يخدم مصالحهم الضيقة فقط، دون أي التفات الى الاقتصاد الوطني وحماية السوق والمستهلك الفلسطينيين.

يضاف الى ذلك، المخاطر التي تهدد السيادة على الغذاء بفعل ممارسات الاحتلال المتمثلة في تدمير البنية التحتية الزراعية، ومصادرة الأراضي ونهب الموارد الطبيعية والمياه. غياب الاستراتيجيات الزراعية والتحول نحو الزراعات التصديرية يعد “جريمة” بحق الاقتصاد الفلسطيني وأساسيات الصمود ضد الاحتلال.

مؤسسات المجتمع المدني تتحمل جزءا من المسؤولية، في ظل اعتمادها سياسات دعم قطاعات زراعية دون مراعات النمط الزراعي الفوضوي الذي ينتهجه بعض المزارعين لخدمة التجار وكبار المستثمرين. كما أنها تتحمل جانباً من مسؤولية غياب الوعي حول أهمية الحفاظ على الأنماط الزراعية التقليدية والأصلية وتوفير البدائل الإنتاجية البيئية المنوعة والمجدية للمزارعين، مثل توفير البذور البلدية الأصلية التي اختفت تقريبا بفعل الشركات الكبرى.

المزارع الفلسطيني هو عصب الصمود في منطقة الأغوار، من خلال تمسكه بالأرض والحفاظ على الموارد والمقدرات. لذلك، التعامل مع المخاطر التي تواجهه يتطلب تدخلات متكاملة تشمل المساعدات التنموية العاجلة، ودعم المزارعين المحليين، وتعزيز البنية التحتية الزراعية، والعمل على تحقيق الاستقرار الاقتصادي والحماية للمزارعين. كما أن رسم استراتيجية زراعية واضحة تضمن حماية المزارعين وتعزز السيادة الوطنية على الغذاء والمقدرات وتحافظ على البيئة والموارد هي مسؤولية وطنية تقع في المقام الأول على عاتق الجهات الرسمية، ثم المؤسسات الأهلية ذات الاختصاص. ولا بد أن يكون للقطاع الخاص ورجال الأعمال دور وطني من خلال تشجيع الاستثمار في الموارد الوطنية والحفاظ عليها وتقوية اقتصاد صغار المزارعين.

زر الذهاب إلى الأعلى